تشير المعطيات الميدانية إلى أن المواجهات التي يخوضها الجيش اليمني ضد المتمردين الحوثيين ( الشيعة ) في شمال اليمن والتي دخلت شهرها السادس ‘ قد أوجدت حالة من الإنهاك في صفوف المتمردين.. الذين يرى المراقبون أنهم باتوا يعيشون ظروفاً صعبه وقاسية في ظل نفاذ المواد التموينية والمؤن والصعوبات الكبيرة في الحصول عليها نتيجة الحصار الشديد الذي تفرضه وحدات الجيش عليهم بعد سيطرتها على معظم طرق إمداداتهم‘ وتدمير السيارات والوسائل التي كانوا يعتمدون عليها في الحصول على احتياجاتهم من العتاد والأسلحة والمؤن.
وكان لسلاح الطيران اليمني اليد الطولى خلال الحرب السادسة التي دخلت منعطفا جديدا مع دخول السعودية طرفا جديدا في معادلة المواجهة مع الحوثيين بعد تسللهم الى الحدود الجنوبية للأراضي السعودية .
ويبدو إن الجيش اليمني انتهج أسلوباً جديداً خلال الحرب السادسة التي بدأت في أغسطس الماضي من خلال الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية وتوجيه ضربات مفاجئة ومدمرة لمعاقل المتمردين وملاحقة العناصر القيادية سواء بالقصف الصاروخي أو من خلال الغارات الجوية.
ووفقا للمعطيات الميدانية فان الجيش اليمني استطاع إن يدمر العشرات من مخازن الأسلحة وورش تصنيع المتفجرات والألغام الأرضية في معاقل المتمردين وبالذات في منطقتي ( مطرة - وضحيان) بمحافظة صعده وفي منطقة الملاحيظ القريبة من البحر الأحمر.
ولعل ما تجدر الإشارة إليه هو أن المتمردين الحوثيين تكبدوا خلال الحرب الحالية ( السادسة) خسائر فادحة وكبيرة لم يسبق لهم أن تعرضوا لمثلها على مدى الحروب الخمسة الماضية‘ وفقاً لما تؤكده مصادر عسكرية موثوقة.
ووفقاً للمصادر فإن الخسائر التي تكبدها المتمردون الحوثيون سواء على صعيد الخسائر البشرية بمقتل عدة آلاف منهم حتى الآن أو الخسائر المادية‘ أمر لم يكن متوقعاً بالنسبة لقياداتهم‘ خلافاً لما هو عليه الحال بالنسبة للقوات الحكومية التي يمكن القول إن خسائرها كانت هي الأقل في هذه الحرب مقارنة بالحروب الخمسة السابقة التي اندلعت أولى شراراتها في 2004م وانتهت بمصرع منظر جماعة الحوثيين (حسين بدر الدين الحوثي) الذي مازالت محاضراته وكتبه تعد المرجعية الأولى للحوثيين .
ومع ذلك فقد أبدى المتمردون الحوثيون مقاومة غير مسبوقة لضربات الجيشين اليمني والسعودي واظهروا تنظيما كبيرا في الجانب الإعلامي وبث البيانات وتصوير المعارك التي يخوضونها مما اضطر الجيشين اليمني والسعودي إلى مجاراتهم في هذا الجانب .
ويأمل ( الحوثيون) في إطالة أمد الحرب لعل ذلك من وجهة نظرهم سوف يؤدي إلى إنهاك الحكومة اليمنية التي فتحت في الوقت ذاته جبهة جديدة مع تنظيم القاعدة وشنت خلال ديسمبر الماضي عمليات أمنية أدت إلى مصرع أكثر من 60 من عناصر تنظيم القاعدة في (صنعاء و أبين وشبوة), كما تواجه الأعمال التخريبية للعناصر المسلحة التي تنادي بانفصال جنوب اليمن.
و كشفت الحرب السادسة التي اندلعت في اغسطس / آب 2009 عن كثير من الحقائق والمعطيات المهمة التي ظلت غامضة على مدى عدة سنوات‘ولعل ابرز تلك الحقائق التي لم يتم الإفصاح عنها أو كشفها بصورتها الكاملة خلال الحروب الخمسة السابقة تلك المتعلقة بوجود تدخلات مباشرة من قوى خارجية داعمة للحوثيين.
ووفقاً لعدد من الخبراء العسكريين فإن الدعم الخارجي الذي يتلقاه المتمردون الحوثيون من جانب ايران وبعض الجهات الاقليمية الموالية أو التابعة لها كالمنظمات والجمعيات الشيعية في بعض دول المنطقة‘ قد مكنهم من الصمود كل هذه الفترة في مواجهة الجيشين اليمني والسعودي‘ وقد أظهر الحوثيون عن امتلاكهم لترسانة هائلة من الأسلحة والعتاد رغم تدمير الكثير من مخازن أسلحتهم من خلال ضربات الطيران.
ولعل الشيء البرز هنا هو ما كشفه المتمردون الحوثيون امتلاكهم أسلحة جديدة ومتطورة‘ من بينها صواريخ محمولة مضادة للطائرات ومدافع إضافة إلى صواريخ الكتيوشا التي كشفوا عنها من خلال مقاطع فيديوا تم نشرها من قبلهم على شبكة الانترنت‘ بحيث كشفت تلك المقاطع أن صواريخ الكتيوشا التي أطلقها الحوثيون باتجاه الأراضي السعودية وقبلها على وحدات الجيش اليمني ‘ هي من ذات النوع الذي استخدمه حزب الله اللبناني ضد أهداف في شمال إسرائيل‘ وذلك ما أكده عدد من الخبراء في شئون التسليح.
وكما يرى الخبراء فإن تلك الصور الجديدة للأسلحة التي يمتلكها الحوثيون لم تكن سوى امتدادا لما كانت المعارك قد كشفته حول امتلاكهم لصواريخ متطورة مضادة للدروع ‘ ومن ذات الأسلحة التي ظهرت بحوزة حزب الله ومنها صواريخ أمريكية لا توجد في الأسواق اليمنية أو مخازن الجيش اليمني.
وتفيد المصادر بأن تلك الصواريخ الحديثة التي أفصح عنها الحوثيون في الصور الأخيرة وتم بثها عبر الانترنت قد تم تهريبها إلى اليمن من خلال رحلات بحرية عبر دولة اريتريا ضمن أسلحة أخرى من بينها صواريخ أرض جو محمولة على الكتف.. وهو الأمر الذي يؤكد ما أوردته عدد من التقارير الدولية التي كانت قد أشارت الى قيام إيران بإنشاء قاعدة لها في اريتريا لمد الحوثيين بالسلاح عبر رحلات بحرية الى المناطق القريبة من سواحل مينائي "ميدي" و"اللحية" القريبين من محافظة صعدة اليمنية , فيما تؤكد تقارير أخرى قيام السفن الإيرانية المتواجدة في منطقة خليج عدن بحجة المساهمة في مكافحة القرصنة بالإضافة الى سفن تجارية إيرانية بتهريب كميات من الاسلحة عبر قوارب صيد يمنية الى داخل اليمن , كما أعلنت السلطات اليمنية قبل أشهر عن ضبط ضبطها لسفينة ايرانية بالقرب من ميدي وقيل بانها تحمل أسلحة وعلى ظهرها عدد من الإيرانيين قالت السلطات اليمنية بانه يجري التحقيق معهم .
في وقت كانت مصادر يمنية رسمية قد كشفت عن طلب تقدمت به إيران الى اليمن لتطوير ميناء ميدي , واتهمت إيران بمحاولة استغلال الميناء لتنفيذ مخططاتها التآمرية .
وتحدث تقرير روسي ان «للحرب غير المعلنة» بين المتمردين الحوثيين في اليمن المدعومين من ايران، وبين اليمن والسعودية اهدافا أبعد بكثير مما يلوح للنظرة الاولى.
واشار التقرير الى ان طهران ترى ان من صالحها استدامة التوتر على حدود المملكة العربية السعودية وعلى حد قول التقرير ان ايران تنظر للسعودية «كمنافس خطر» لها في المنطقة، منوها بأن أهداف النظام القائم في طهران هو اقامة «امبراطورية ذات نزعة مذهبية» «تمتد من ايران عبر العراق ونحو سورية ولبنان»، وحسب تقديراته فإن ايران «تهيمن الان عمليا من خلال حلفائها على جنوب العراق»، منوها بان «مصير الحرب باليمن لم يحسم بعد».
وحيث كانت التوقعات تشير إلى إن جولة الحرب السادسة بين قوات الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين لن تستمر طويلا وان الطرفين سرعان ما سيجلسان على طاولة مفاوضات جديدة ,كما حدث في جولات الحروب السابقة, إلا أن الحكومة اليمنية أبدت إصرارا على مواصلة العمليات العسكرية حتى يرضخ المتمردون الحوثيون لمبادرة الحكومة لإحلال السلام في صعدة والتي تنص على إخلاء عناصر التمرد لمواقعها وإنهاء المظاهر المسلحة وإعادة المنهوبات التي قاموا بنهبها وعدم التدخل في شئون السلطات المحلية بمديريات صعدة .
وكشفت صنعاء عن عدد من الوساطات التي تقدمت بمبادرات لوقف القتال في صعدة منها مبادرة قدمها مقتدى الصدر في العراق , الا إن الحكومة اليمنية تؤكد إن الشروط التي وضعتها الحكومة هي المخرج الوحيد للأحداث في صعدة .
وجدد الرئيس اليمني طرح تلك الشروط مع بداية العام الجديد 2010 وهي الشروط التي تنص على :
- الالتزام بوقف إطلاق النار وفتح الطرقات وإزالة الألغام والنزول من المرتفعات وإنهاء التمترس في المواقع وجوانب الطرق.
- الانسحاب من المديريات وعدم التدخل في شئون السلطة المحلية.
- إعادة المنهوبات من المعدات المدنية والعسكرية.
- إطلاق المحتجزين لديها من المدنيين والعسكريين.
- الالتزام بالدستور والنظام والقانون.
- الالتزام بعدم الاعتداء على أراضي المملكة العربية السعودية.
بحيث نجد أن الحكومة اليمنية وعلى ما يبدو أنها متمسكة بقوة بتلك الشروط ‘ وهو ما أكدت عليه مراراً اللجنة الأمنية العليا في أكثر من مناسبة ‘ من أن على الحوثيين أن يعلنوا قبولهم والتزامهم بتلك النقاط ‘ ليتم على اثر ذلك وقف اطلاق النار ‘ مع وضع جدول زمني لتنفيذها دون تلكؤ من قبل الحوثيون الذين كانوا يستغلون الهدن السابقة في إعادة ترتيب صفوفهم والاستعداد لمواجهة جديدة .
ورغم مسارعة مكتب قائد المتمردين - عبدالملك الحوثي - في إعلان ترحيبه بدعوة الرئيس صالح وأبدى استعداده للحوار , الا إن الحكومة اليمنية اعتبرت ذلك نوعا من المراوغة وطالبته بإعلان التزامه بتنفيذ الشروط .
وعلى الجانب الأخر دخلت العلاقات اليمنية الإيرانية في تعقيدات جديدة , ورفضت صنعاء ولأكثر من مرة استقبال وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي , واحتجت اليمن على الحملة الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية على اليمن ومناصرة الحوثيين الذين تقول صنعاء انهم حملوا السلاح واعلنوا التمرد المسلح , وطالبت طهران بادان الحوثيين قبل الحديث عن أي وساطة , واعتبرت تبني وسائل الإعلام الإيرانية للحوثيين بأنه يكشف عن الأهداف الغامضة للعلاقة بين إيران والمتمردين الحوثيين .
وتحدثت مصادر يمنية أكثر من مرة عن مصرع العديد من الخبراء الإيرانيين واللبنانيين التابعين لحزب الله في غارات جوية على مراكز للحوثيين في مناطق ضحيان ومطرة بصعدة ,وفي منطقة الملاحيظ القريبة من ميناء " ميدي" على البحر الأحمر.
وكانت المصادر قد أكدت أن ثلاثة خبراء من حزب الله اللبناني قتلوا ضمن مجموعة من أتباع الحوثي في قصف جوي استهدف احد تحصينات المتمردين في منطقة الملاحيظ في منتصف تشرين الأول " أكتوبر المنصرم"
وفي ال22 من كانون الأول " ديسمبر المنصرم" أعلن عن مصرع سبعة خبراء من الجنسيتين الإيرانية واللبنانية في غارة لسلاح الجو اليمني استهدفت موقعاً للحوثيين في منطقة "الشوارق" في مديرية "رازح" بمحافظة صعده، وأكدت المصادر أن الخبراء الخمسة هم من ضمن العناصر الأجنبية التي تقوم بتدريب المتمردين الحوثيين وتقدم لهم الدعم الفني في المجال العسكري والاتصالات والإعلامي.
فيما أكدت المصادر حينها أن المواطنين وكذلك الجنود من الجيش والشرطة عثروا في منطقة جبل دخان في محور الملاحيظ على عدة جثث لمقاتلين من أتباع الحوثي مقطوعة الرؤوس.
وذكرت المصادر أن أتباع الحوثي عمدوا إلى فصل رؤوس أولئك القتلى عن أجسادهم لغرض الحيلولة دون التعرف على هوياتهم ‘ على اعتبار لعناصر أجنبية تقاتل في صفوف الحوثيين.
وقد سبق هذا نشر تقارير دولية تتحدث عن سقوط قتلى لبنانيين في صفوف الحوثيين ‘ وكشف تقرير أمريكي حديث أن إيران تقدم أسلحة ومعدات للمتمردين الحوثيين في شمال اليمن وتقوم بنقل مقاتلين من حزب الله اللبناني إلى صعدة اليمنية عن طريق البحر.
وذكر التقرير الصادر عن الوكالة الأمريكية للدراسات الإستراتيجية والاستخباراتية «ستراتفور» ونشرت تفاصيله الليلة الماضية «أن إيران تنقل أسلحة عبر طريق يبدأ من ميناء عصب الإريتري ويلتوي شرقا حول الطرف الجنوبي من بحر العرب في خليج عدن إلى مدينة شقراء التي تقع على ساحل جنوب اليمن، ومن هناك تتحرك الأسلحة برا إلى شمال مدينة مأرب شرقي اليمن وبعدها شمالاً إلى محافظة صعدة على الحدود السعودية - اليمنية».
وتدور تكهنات منذ سنوات حول دور أساسي لحزب الله في عملية تدريب المتمردين الحوثيين على أساليب حرب العصابات التي اشتهر بها مقاتلو حزب الله ونقلت التجربة الى في صعدة , وتقول السلطات اليمنية انه سبق لعدد من قيادات المتمردين الحوثيين أن قامت بزيارات متكررة الى لبنان .
وفي ذات السياق يرى عدد من المراقبين أن طهران تسعى الى استغلال ورقة الأقليات الشيعية في المنطقة واستخدامها في المساومات السياسية مع دول المنطقة و إدخال مجتمعات الدول العربية في اتون صراعات مذهبية وسياسية تتحول الى حروب أهلية مثلما حصل في العراق في العام 2006 على يد فرق الموت المرتبطة مباشرة بفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني.
معتبرين أن قرار المملكة العربية السعودية بالتعامل الحازم والقوي مع انتهاك حدودها وتحريك قواتها لردع لمتمردين الحوثيين الذين تجرأوا في التسلل إلى داخل حدوها ، إجراء له أبعاد مهمة كون المملكة ستفوت بهذا الاجراء الرادع الفرصة على إيران وستوقف تماديها في تدخلاتها وتقويضها لأمن واستقرار المنطقة.
ولعل ما تجدر الاشارة اليه هنا أيضاً هو أن التصادم مع الحوثيين لم يعد يقتصر على الجانب العسكري بل امتد الى التصادم مع المذاهب الاخرى بما فيها المذهب الزيدي الذي يدعي الحوثيون انتسابهم اليه, الا إن كبار علماء المذهب الزيدي أصدروا عدة بيانات تبرأوا فيها من الافكار التي يروجها الحوثيون بما فيها "زواج المتعة" الذي لم يعرفه المجتمع اليمني من قبل‘ ويشبه الدكتور خالد الفهد/رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء ما يحصل في محافظة صعده بالنسبة للحوثيين (هو أن ثمة مذهبا جديدا نما على الأرض اليمنية) وربط ذلك بما يعرف بتصدير الثورة الإيرانية إلى شعوب العالم الإسلامي.. مشيراً إلى أن هذا الفكر والذي سبق وأن حذر منه إمام الزيدية الراحل مجد الدين المؤيدي يعمل على إحياء التمردات.
في خضم تلك الأوضاع المعقدة التي تعيشها الساحة اليمنية في ظل مواجهة الحوثيين في الشمال ودعاة الانفصال في الجنوب , فضلا عن الهم المؤرق لليمن والمنطقة والمجتمع الدولي والمتمثل بخطر تنظيم القاعدة , يبدو إن الحكومة اليمنية سترمي ببعض من ثقل الحمل الملقي على عاتقها على المجتمع الدولي الذي التفت الى اليمن مؤخرا , بعد حادثة محاولة تفجير طائرة الركاب الأمريكية في عطلة رأس السنة الميلادية من قبل النيجيري فاروق عبدالمطلب , حيث أعلنت الإدارة الأمريكية إن تعزيز الشراكة مع اليمن وخصوصا التعاون في المجال الأمني سيكون ضمن أولويات إدارة الرئيس باراك اوباما , وتبعه رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون في الدعوة الى عقد اجتماع دولي في 28 يناير الجاري في لندن لدعم الحكومة اليمنية تنمويا واقتصاديا ومساعدتها في مكافحة الإرهاب ومواجهة التحديات .
صنعاء / عبدالمنعم الجابري :
* نقلاً عن مجلة الحوادث اللبنانية: